ابو القاسم عبد الكريم القشيري

512

لطائف الإشارات

حُكْماً وَعِلْماً » ولمن قال بتصويب أحدهما وتخطئة الآخر فله تعلّق بقوله : « فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ » « 1 » قوله جل ذكره : وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ أمر الجبال وسخّرها لتساعد داود - عليه السلام - في التسبيح ، ففي الأثر : كان داود - عليه السلام - يمرّ وصفاح « 2 » الجبال تجاويه ، وكذلك الطيور كانت تساعده عند تأويبه . قوله جل ذكره : [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 80 ] وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ ( 80 ) سخّر اللّه - سبحانه - لداود الحديد وألانه في يده ، فكان ينسج الدروع ، قال تعالى : « وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ » ليتحصن من السهام في الحروب ، قال تعالى : « وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ » وأحكم الصنعة وأوثق المسامير . . ولكن لما قصدته سهام التقدير ما أصابت إلا حدقته حين نظر إلى امرأة أوريا - من غير قصد - فكان ما كان . ولقد خلا ذلك اليوم ، وأغلق على نفسه باب البيت ، وأخذ يصلى ساعة ، ويقرأ التوراة مرة ، والزبور أخرى ، حتى يمضى وينتهى ذلك اليوم بالسلامة . وكان قد أوحى إليه أنّه يوم فتنة ، فأمر الحجّاب والبواب ألا يؤذن عليه أحد ، فوقع من كوّة البيت طير لم ير مثله

--> ( 1 ) هذا رأى القشيري في ( الاجتهاد ) ومداه ، ويجدر الاهتمام به إذا شئنا أن نبحث في « أصول الفقه عند الصوفية » . ( 2 ) صفاح جمع صفح ، وصفح الشيء عرضه ( مقاييس اللغة ج 3 ص 293 ) . ويقول القرطبي ( قال وهب : كان داود يمر بالجبال مسبحا ، والجبال تجاوبه بالتسبيح ، وكذلك الطير ) ويضيف القرطبي شيئا هاما بالنسبة للتفسير الصوفي : ( كان داود إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت حتى بشتاتى ، ولهذا قال : « وَسَخَّرْنا » أي جعلناها بحيث تطيعه ) . « الجامع لأحكام القرآن ج 11 ص 319 » وبهذه المناسبة نود أن نستدرك شيئا لم نشر إليه في مدخل الكتاب ، وهو أن القرطبي كثيرا ما يستفيد من آراء الصوفية ، وبصفة خاصة من القشيري ، وهو في معظم الأحيان عبد الرحمن القشيري أحد أبناء المصنف .